مقالات

محمد أبا الخيل.. صمت الكبار!

جميل الحجيلان.. مؤسس الإعلام السعودي رائد الأولويات

شيخ الأدب، الذي اُعتُبِرَ، «أعلم الشعراء، وأشعر العلماء»، ابن دريد (ت 321 هــ)، في قصيدته الشهيرة، (المقصورة)، وهي من أشهر شعر العرب، وضمن جواهرها قوله: وَالناسُ أَلفٌ مِنهُمُ كَواحِدٍ وَواحِدٌ كَالأَلفِ إِن أَمرٌ عَنا ومن عجنته الدُنيا، ودعكته التجارب، آمن بشاعرية هذا البيت، وواقعية معناه. بيت ابن دريد الآنف، يصدُقُ في حقالرجل الذي نتحدثُ عنه اليوم. ولا أحسبها مصادفةً، أن يتطابق جميل هذا الشعر، مع جميل صنيع صاحبنا، اللافت، الـ «جميل». نتحدث عن رائدٍ في وطنه، يتقدم فيبرّز،يَبُزُّ الأقران، ويخطف الأبصار، وتذوب فيه نواظر النُظّار. ينطلق في كل ميدانٍ، «يمشي رويداً، ويجي في الأول»! إنه الشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان، الوزير السعودي،والديبلوماسي، الأديب، الأريب، رجل الدولة، والإداري الفَذ، الجريء بحكمة، التقدمي بأصالة. والحجيلان سليل «العقيلات»، وهم من أبناء نجد، وسط السعودية، الذينجابوا البلاد العربية، في رحلات ذهاب وعودة، متاجرين بالخيول والجِمال وغيرها. ومن العقيلات والد جميل، الشيخ إبراهيم الحجيلان، الذي يصدق فيه وأقرانه، قول ابن زريق: ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّوَمُرتحلٍ مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ يحكي محمد السيف، بـ(المجلة العربية) أنه: «كان لإبراهيم الحجيلان، والد جميل، تجارة بالخيل والإبل، يسعى فيها بين البلدان، وكان لهإسطبلٌ في مدينةٍ وادعة في شرق الشام، تشرف على نهر الفرات إشرافاً لم يمح عنها الطابع البدوي، تلك هي«دير الزور»، التي ولد فيها جميل، وعاش طفولته، بين صهيلالخيل وعدوها، وراء النوق وحنينها، ومجالس رجال العقيلات، ومعاهد أطفالهم». في دير الزور، يتلقى الفتى جميلٌ تعليمه الأولي، وتضع الأقدار في طريقه أستاذاً أديباً،سيكون له شأن وأي شأن في حياة الفتى، وحياة الناس في البلاد فيما بعد، بفضل ذلك الفتى! وهو الشيخ علي الطنطاوي، الذي حبب إلى تلميذه العربية وآدابها، فإذا هو-مدى حياته الباقية- أديبٌ يتقن انتقاء الكلام، كما يبرع الصائغ في انتقاء الجواهر. يُعرب الكلم، ويبرأ من اللحن، ويتعاطى الشعر، ويتذوق الأدب. ويتلقى -فيما يتلقى- اللغة الفرنسية في دراسته بدير الزور ثم بدمشق، بعدها يذهب إلى القاهرة، فيتقنالفرنسية بمدرسة فؤاد الثانوية. ولأن التعدد هو سَمْتُ جميل الحجيلان الطاغي، وسِمَتُهُ الفارقة، انقسمت روحه بين الأدب الذي يهواه قبلاً، والقانون الذي حُبِّبَ إليه لاحقاً،فيختار القانون، ويتتلمذ في جامعة فؤاد (القاهرة لاحقاً)، على أستاذ القانونيين: عبدالرزاق السنهوري. حين اختار جميلٌ القانونَ، لم يهمل الأدب... وآية ذلك، أنه كانخطيباً مفوهاً، وشاعراً مترنماً، ألقى خطاباً أمام الملك فاروق، أذيع على الهواء مباشرة. يتخرّج جميل الحجيلان، متعدداً، قانونياً بحكم التخصص، أديباً بحكم الميول، فيهشركاءُ متناغمون لا متشاكسون، ويسافر إلى جدّة موظفاً في وزارة الخارجية، فيذهب الطالب، ويولد المستشار القانوني، ولكن نفس جميل المطبوعة على تجاوز النمط،وكسر القوالب، تجعله كائناً متعدداً، موظفاً في وزارة الخارجية، وأديباً وقاصّاً، وإعلامياً يذيع قصصه بصوته على إذاعة بلاده، ويسوقه القدر لأن يصبح إضافةً إلى ذلكالتنوّع: رباً لأسرتين! أسرة والدته وضحى الحجيلان وأشقائه بدير الزور، وأسرة زوجة أبيه وإخوانه منها بالقاهرة. انتقل الأب «الشيخ إبراهيم» إلى رحمة الله، وجميلٌ موظفٌ حديث عهد بالوظيفة، يضطلع وهو في مطلع العشرينيات بعبء رعاية زوجتي أبيه وإخوته الأيتام الصغار، فيا لهمن محاربٍ، على جبهات مختلفة، مفتوحة الاتجاهات. فمن ميوله المتعددة في داخله، إلى صروف المقادير من خارجه! وكأنه يردد قول الشاعر القديم: «ولو كان سهماً واحداًلاتقيته»! بين دير الزور، ودمشق، والقاهرة، وجدة، عاش الفتى المتعدد هموماً في الماضي، لكنّه سيعيش في المستقبل بين مدنٍ أخرى، ثم يطير على بساط الديبلوماسيةإلى السفارة السعودية في طهران، وبعدها السفارة في كراتشي، عاصمة باكستان آنذاك، قبل أن يجني عليه «تعدده» جنايةً حميدةً، إذ يختاره الفيصلُ مديراً لمديريةالإذاعة والصحافة والنشر، بعدها بقليل يتنحى جميل الدبلوماسي، ويبرز جميل الإعلامي والإداري، ولكن مؤقتاً. وعندما كان جميل يمثل بلاده في مؤتمر دولي، وصلتهبرقية مستعجلة من الديوان الملكي، تطلب عودته على وجه السرعة، فعاد فوراً تلبية للتوجيه، يملأه الفضول لمعرفة المهمة المقبلة. عينه الملك سعود سفيراً للمملكة لدى الكويت، ليكون أول سفير فيها بعد الاستقلال، ما جعله يصبح عميداً للسلك الدبلوماسي فيها، لم يطل به المقام بالكويت، وقبل أن يغفوالدبلوماسي - مؤقتاً أيضاً- ويحزم جميل حقائبه، عائداً إلى الوطن، في 1963، ليجلس على مقعدٍ يبدو وثيراً، لكنه مليء بالأشواك! إنه مقعد «وزير الإعلام»، ليكون أولوزير للإعلام في السعودية! يقول ابنه الروحي الدكتور عبدالرحمن الشبيلي في كتابه (قصة التلفزيون)، إن الشيخ جميل كان في ذهنه حين تعيينه وزيراً، ثلاث أولويات: «إنشاء التلفزيون السعودي، وإعادة تنظيم وضع الصحافة، التي تحولت من صحافة أفراد إلى المؤسسات الأهلية، وإنشاء إذاعة العاصمة الرياض». قاد جميل الحجيلان وزارةَ الإعلام، في وقتٍ صعب، وأبحر بها، ضد تيارٍ مجتمعي ضخم، مخالف له بضراوة، وكان إبحار الوزير بروحٍ تقدميةٍ، معارضوها في المجتمعالسعودي -آنذاك- يُشكلون جبهة شرسة، لم تتوان ولم تتراخ في مهاجمة الوزير ومشاريعه... ومنها، إطلاق التلفاز السعودي، وتنويع البث الإذاعي، مضيفاً إليه دعم الأغنيةالسعودية لأول مرة، وإدخال صوت المرأة «الذي كان عند الخصوم آنذاك عورةً» في الإذاعة. أظهر الفنانة الشهيرة فيروز تغني على الشاشة الفضية، صمد كجبل، أمام كلالممانعة من مجموعات ذات ثقل مجتمعي ضخم. في العام 1966 قُدمت له مسرحية «جابر عثرات الكرام»، لتصويرها، فكتب على النص بشجاعة نجني ثمارها اليوم: «لا مانع من ظهور المرأة على أن يكون دورها فاضلاًولباسها محتشماً»، وكأنه يتمثل بيت أبي الطيب المتنبي: وكل شجاعةٍ في المرء تغني... ولا مثلَ الشجاعة في الحكيمِ يقول حسين شبكشي: «يبقى الأب الروحي للإعلامالسعودي هو الشيخ جميل الحجيلان أو كما يعرف بالمسؤول اللبق الأنيق». (عكاظ). التعدد، يلاحق أبا عمادٍ من جديد، لتسند إليه وزارة الصحة، إضافة إلى وزارة الإعلام، ثم يفرّغه الفيصل لوزارة الصحة، التي عرفت فيه وزيراً، مفتوح الباب، قويالحضور، عالي الانضباط، يذكره مرؤوسوه بالخير، ويتذكر الكل مواقف معه، فهو الرجل المتعدد، الذي يملك أن ينيل الكل قسطاً من حضوره، وهو الوزير «الملتزم الجاد»،الذي لا يلزم مكتبه وحسب، بل يجده العاملون في الميدان إلى جانبهم، ليلاً ونهاراً، أخاً ومرشداً ومحفزاً، وصانعاً للرؤى، ومكتشفاً للمواهب، وملماً بالتفاصيل. ولم يزلالحجيلان، يتأرجح، بين الإدارة، والسياسة، والدبلوماسية، حاملاً معه في كل قفزة، لساناً طليقاً، ووجهاً إعلامياً بارعاً، وروحاً إدارية فريدة، ومواهب متعددةً، وقدرة مذهلةعلى التأقلم مع كل مسؤولية جديدة تسند إليه! ها هو جميل يترك مقعد الوزارة، ليطير إلى أوروبا، سفيراً للملكة، في ألمانيا، ثم ليمضي عشرين حولاً في باريس، سفيراًللمملكة بها، قبل أن يعود إلى الرياض ثانيةً، ليكون أول أمين عام سعودي لمجلس التعاون الخليجي، لفترتين، أحبّه الخليجيون وأعجبتهم لباقته، فصار علامةً في ذاكرةالملوك والرؤساء، والوزراء، يذكرونه بالخير إلى يومنا هذا. نصف قرنٍ من العمل في خدمة بلاده، تقلّب فيها أبو عمادٍ بين مناصب مختلفة، وحارب في جبهات متعددة، ترك في كل واحدة منها بصمته، وركز رايته... ولم يكن تقاعدهعن العمل الحكومي، تقاعداً عن الحياة، بل كان باباً لترحال من لون جديد، ترحال الرجل الطليق من قيد الوظيفة وحجل الدبلوماسية، في آفاق الأرض المختلفة، وفياً لدأبأسلافه العقيلات، الذين لا يحطون عصا التسيار، ولا يسأمون الضرب في الأرض. «من أتقن فن الحوار، أتقن الدبلوماسية»، هكذا اختصر لي أبو عماد، قبل سنوات، معادلة التحوّل من دنيا الإعلام إلى عوالم الدبلوماسية. وأيم الله إنه لاختصار بارعومجيد، من ربّان في بحريهما، والبرازخ. لذلك وصفه د. نزار مدني وزير الدولة للشؤون الخارجية الأسبق: «وإذا أعملنا المثل السائد: (أن كلاً له من اسمه نصيب)، فإنللشيخ جميل من اسمه النصيب الأوفر، فقد كان جميلاً في مظهره، جميلاً في تسامحه، جميلاً في أدبه وثقافته، وقد تجسد الجمال في نِتَاجِه وعطائهِ، وانعكس على كلمراحل حياته، واستحق أن يكون قدوة ومثلاً بكل المقاييس». أما سمير عطا الله، فقال في جميل، إنه «أستاذ في آداب الكتابة وأخلاق الرواة وأمير من أمراء التواضع». (الجزيرة). مزيد من المعلومات...

الصفحة 1 من 30 1 2 30

مؤلفات

تابعوني على

في خاطري شي

من طيبات ابي الطيب

الأرشيف