عبدالمحسن الرشود


فاجأني الكاتب تركي الدخيل بكتابه "سعوديون في أمريكا" الذي اشتريته من دار العبيكان بمعرض الكتاب الدولي المقام في الرياض في الأيام الماضية، مفاجأة محزنة، وموجعة وأحسست بإجحافه في حق نفسه، أولاً، وفي حق الوطن، وفي حق أمريكا وفي حق المبتعثين إلى أمريكا من السعوديين.

دخيلون على أمريكا
 
دخيلون على أمريكا
فالكتاب يحمل عنواناً مهماً. ويقع في 185 صفحة من القطع الصغير ويتحدث في مئة وعشرين صفحة تقريباً عن الكبسات، والطعام، واللحم الحلال وعن الفحولة الشرقية في بلاد الغرب وعن الإدمان والسهرات. وأن "الكبسة وسيلة التشبيك".. أما الصفحات الباقية فهي عن أحداث سبتمبر وتغيير السعوديين هوياتهم إلى هنود ولاتينيين، والحقيقة أن كتاب الدخيل الذي لم يقض سوى عامين كما فهمت من كتابه وألف كتاباً عن السعوديين في أمريكا لو قرئ خارج البلاد لأعطى غير السعوديين انطباعاً سيئاً بأن السعوديين مهما سافروا وابتعثوا في أرقى الدول.. فإنهم يعيشون عيشة البدو الرحل.. أو كأنهم مجموعة شباب في الجنادرية أو الثمامة أو مخيمين في روضة الخفس!!
وأظن أن ظروف هذا الكتاب وصدوره وقت المعرض يخلقان أسئلة ليست في صالح الكاتب تركي الدخيل! فإما أنه فعلاً لم يعرف أمريكا حقاً بحكم أنه استقر في يوجين في الشمال الغربي. ولم يتحدث عن غيرها من المدن الأكثر أمريكية وحرارة وإمتاعاً ومكانة علمية.. أو أن المجموعة التي عرفها من السعوديين لا تمثل في الحقيقة إلا "طلعة شباب في بّر!!" وليس في رحلة علمية! بسطاء هدفهم وزوجاتهم الكبسات والعزاب منهم يبحثون عن آسيويات شبههم هو نفسه بالقادمات لدينا إلى مكاتب الاستقدام!!
أو أنه ألف هذا الكتاب من باب الفكاهة وسياق الذكريات الخاصة. ولكنها كانت على حساب الحقيقة. فهو لم يتحدث عن جامعة جورج تاون، وجورج واشنطن. والمراكز الإسلامية فيها وأكاديمية الملك فهد.. لم يتحدث عن لوس أنجلوس وجامعة جنوب كاليفورنيا.. لم يتحدث عن الطلاب المبدعين، والنشاطات الثقافية والسياسية في ردهات جامعة جورج واشنطن، وجورج تاون، ومكتبة الكونجرس. وشواطئ لوس أنجلوس.. تركي الدخيل لم ير أمريكا في جمال هاواي وكتالينا آيلند واستمتاع السعوديين "وحركاتهم" في شواطئ فينيس بيتش.. ومارينا درّري. وشوارع هوليوود بلغارد والسن ست ومنطقة وست ود. في عمق لوس أنجلوس. لم يتحدث عن ديزني لاند وماجك ماونتن ونيفرسال ستوديو.. كان السعوديون في السبعينات والثمانينات وزوجاتهم أكثر إقبالاً على العلم والانفتاح والاستمتاع بأمريكا وبمباهجها وباللايف ستايل بينما كان ربع تركي "مساكين من جد".
إن خريجي أمريكا في تلك الفترة هم الذين قادوا التنمية في بلادنا وتسنموا المواقع الإدارية في القطاع العام والخاص وهم الذين أسسوا وقعدوا الكثير من البناء التعليمي الأكاديمي في المملكة العربية السعودية ومن غير الإنصاف ألا يستشهد بعطائهم في فترة: كانت الغربة محكاً كبيراً للرجال حيث لم يكن هناك جوالات، ولا إنترنت ولم تكن الظروف المادية والاتصالات بمثل ما هي عليه أيام تركي الدخيل! ولكنهم تعلموا وانفتحوا على ثقافة الآخر واستفادوا من جودهم لسنوات وليس لعامين! في التعرف على أدوات التنمية والسلوك الاجتماعي الأرقى ولذا يندر أن تجد عائلة أو أسرة لم يبتعث فيها واحد أو اثنان يؤثرون في مسيرة أسرهم وعوائلهم ومجتمعهم الوظيفي أو الأكاديمي. تقلدوا الكثير من المناصب والوزارات، والمشاريع الكبرى في القطاع الخاص. ولكي أضع العناوين التي اختارها تركي وكتب عنها في عجالة كأمثلة كالتالي:
- مجلة (ماجد) والمدن الصغيرة
- وصول وتعثر
- احتقار الحافلات
- الثمامة في أمريكا
- محمد عبده وسلمان العودة
- الدهناء تحتضن (الهولووين)
- الطعام في بلاد العم سام
- إدمان.. وهروب من الجدران
- الأسمر الدجال
- فحولة شرقية في بلاد الغرب
- الكبسة وسيلة التشبيك
- البدويان
- يوم أصبح السعوديون هنوداً ولاتينيين
هذه أمثلة لما كتب عنه أخي تركي الدخيل!!
فهل يرضى الإعلامي الناجح أن يجحف بحق إخوانه السعوديين في أمريكا.. إنه وبحكم ابتعاثي للغة الإنجليزية في جامعة جورج واشنطن وجامعة جنوب كاليفورنيا للماجستير، وبقائي في أمريكا ما يقارب 4 سنين.. وجدت أمريكا مختلفة كل الاختلاف عما ذكره تركي والسعوديون كانوا أرقى وأكثر مسؤولية من "ربع تركي" "القروية" والمساكين حقاً!!
في جورج واشنطن كان ملتقى الطلبة مارفن سنتر سوقاً ثقافيا وسياسياً واجتماعياً حيث تقام النشاطات الأدبية والشعرية ودعوة المفكرين العرب الموجودين بأمريكا وإقامة الرحلات بين الطلبة السعوديين وزوجاتهم إلى الحدائق العامة التي تنطلق من النادي السعودي ودار الهجرة في فرجينيا. كنا نستأذن الجامعة في فتح قاعات الجامعة للنشاط السعودي الفكري والثقافي وكان الخليجيون يساهمون معنا في إدارة الكثير من النشاطات الطلابية.. كما كنا في لوس أنجلوس في نادي الطلبة نقيم الحفلات والنشاطات الثقافية في منطقة سان جابريل!! أما عن الأنس فليت أن تركي يزور شوارع لوس أنجلوس التي تعرّف فيها السعوديون على المسرح الأمريكي "تييستر" وعلى السينما الأمريكية، وكيف يقضون الويكند نهاية الأسبوع على ضفاف البحر الهادئ في نيوبورت بيتش وفينس بيتش وسان فرانسسكوا ولاس فيجس!
ويبدو أن السعوديين الذين كانوا في السبعينات لن يتكرروا مرة أخرى.. أما عن الوطنية فأذكر أنه في عام 90 إبان أزمة الكويت، فإن السعوديين شاركوا في الصحافة الأمريكية العربية من خلال صحيفة بيروت تايمز التي توزع في واشنطن ونيويورك وكاليفورنيا بأسرها وكنت واحداً منهم في صفحات كانت تروّس تحت "المغترب السعودي" عندما كان الطلاب ملتحمين مع قيادتهم هنا ويكتبون المقالات المنادية بإخراج صدام حسين من الكويت!! وأستطيع القول إنه ليس هناك من سعودي إلا وزار الاستديو العالمي ودزني لاند، والجبال السحرية وشلالات نياجرا..
إنه من المؤسف أن يقول تركي إن السعوديين إذا سئلوا عن هويتهم يقولون إنهم هنود ولاتينيون! في الوقت الذي كان فيها السعوديون في الـ90 الميلادية ينافحون عن بلادهم أمام معظم الإخوة العرب الذين كانوا يناصبوننا العداء لموقفنا مع دولة خليجية محتلة! أرأيت أن الفارق كان كبيراً يا تركي!
على أية حال يبدو أن تأليف الكتب في أيامنا هذه أصبح مثل التمشية بعد العصر في الثمامة أو على كورنيش جدة أو على جسر البحرين!!

صحيفة الوطن
14مارس2007


من أنا

أضيف حديثا

إضاءات

 اقترح ضيوف إضاءات

قال غفر الله له

ذكريات سمين سابق

الاتحاد

مقالات

مقابلات

قالوا

كنت في أفغانستان

أحصل على الكتاب

قل رأيك