اخر تغريدات تويتر

في خاطري شي_3

من طيبات ابي الطيب

الأرشيف

يعرف صعوبة ترجمة التعريفات جيداً من عاش بين لغتين، أو تنقل بين ثقافتين؛ ما تراه فرضاً وواجباً في مخيلتك، قد يكون مثار دهشة واستغراب عند الآخرين، وما قد تعده عيباً قد يكون اعتياداً، بل ربما مُستحسناً عند غيرك.
أذكر برد يوجين، وأستشعر لليوم لُطف سكانها؛ تلك المدينة الوادعة شمال غربي الولايات المتحدة، أتذكر أمطارها وليالي الشتاء الباردة فيها، وكيف كنتُ معجوناً بدهشة التقاء عربي قادم من نجد البعيدة بلطف أهل تلك المدينة، الذين يشتكون من المطر، وينتظرون الشمس، وكأنهم يستمتعون بنبأ ارتفاع سوق الأسهم لمن باع ما يملك بحثاً عن ثراء سريع.
كان حديثاً عابراً مساء الأحد مع رجل خمسيني أتذكر ملامحه جيداً الآن، كان مندهشاً من فكرة «التطعيس» أيامها، وهي أن يصعد شباب الخليج والسعودية خصوصاً كثبان الرمال العالية بسياراتهم… كان يعدها تهوراً وجنوناً، وينزعج من ربطها بالشجاعة. كنت أوافقه الرأي، وأحاول حينها أن أقرب له فكرة الشجاعة في الثقافة العربية، كنت – بوعي أو من دون وعي ربما – أحاول أن أنزّه الشجاعة عن رعونة الذهاب إلى الخطر السخيف. أتذكر الحوار جيداً، لأنه كان يوقفني بين الجملة وأختها، ثم يحاول أن يضرب مثلاً، كي تكون الصورة لذهنه أقرب.
لكأنه كان يتمثل بيت الشعر العربي:

الرأيُ قَبل شجاعةِ الشجْعانِ هو أولٌ وهي المحلُ الثاني
كنت وما زلت أريد استكمال ذلك الحوار… موجعٌ جداً تذكر حوار غير مكتمل في ذاكرتك، ومؤلمٌ أكثر الاشتياق إلى حوارٍ مع غريب يمتد لنحو عقدين. كان يخلط بين غياب الخوف وبين الشجاعة، وكل ما كنت أريد قوله هو أن الأمرين مختلفان جداً يا صديقي الغريب في البلاد البعيدة: غياب الخوف مثل حضور الخوف الدائم، كلاهما خطير جداً، تجده عند الرعاع، والمجانين، والخطرين جداً، أولئك الذين يقبعون في سجون العالم بأحكام لا تقل عما مضى على حوارنا ذاك.
أما الشجاعة يا سيدي الغريب، فقد انقضت نصف أعمار العرب القدماء وهم يركضون خلفها، لذا تعبنا كي نجد تعريفاً أستطيع به تقريب الصورة إليك. طلبت منه أن يعذر استعانتي بالمعجم، فقد كنتُ محتاجاً لتعريف كل من: الجبن، والتهور، والطيش، والخوف، والاستقامة، كي أقارن، وأنفي، وأثبت سؤدد الشجاعة حين تكون في سياقها، وحينها لكل الصفات.
في كل شجاعة خسارة موجعة، ولولا تلك الخسارة البينة لما تباين الشجاع من المتهور؛ الأول لديه يقين بخسارة حقيقية، والثاني لا يعرف طعم الخسارة كي يذهب للذة الشعور الأول. ركز معي يا صديقي: الحذر لا علاقة له بالخوف، تماماً كانتفاء أي علاقة بين التهور والشجاعة.
في إقدام الشجاع – لم أجد ترجمة دقيقة لمفردة «الإقدام» وقتها – يقين وحسن ظن بمن سيأتون بعده. للناس قدرة عجيبة في تمييز الشجاعة عن باقي الصفات، وفي بعض الثقافات، تؤكد شجاعة الفرد على موقف أهله تجاه العالم.
وبقدر الخسارة – وهي الشرط الأكيد لتعريف الشجاعة – يكون الخلود يا صاحبي العجوز. أكتب هذه الجملة اليوم وأنا أعرف جيداً أن تعزيتي سوف تصل، وأن بعض العزاء تقاسم للفخر الحقيقي، فلن يحتاج مبتعثونا اليوم للولايات المتحدة، خوض نقاش كالذي خضته عن تعريف الشجاعة في سياق «التطعيس» قبل عقدين من الزمان.
ستقرن شاشات التلفاز الأميركي الشجاعة هذا العام باسم طالبين سعوديين، غرقا في النهر لأجل إنقاذ طفلين اغترفهما النهر. ذيب وجاسر – رحمهما الرحمن – ركزا اسم قبيلتهما على قاعة في معهد «CLLC» الكندي لتعليم اللغات، وأنقذا كثيراً من المبتعثين من خوض حوار كالذي خُضته آنذاك، لكن شجاعة الثالثة فجراً تبقى هي الشجاعة الحقيقية يا صاحبي، شجاعة اللحظة في وجه النهر والموج، شجاعة الحُر الذي لا يفكر مرتين حين يرى أو يسمع استغاثة ملهوف، فصوت الخائف، أو الأم المفجوعة، يصل في كل اللغات بعيداً عن حواجز اللغة، وتفريق التعريفات بين الشجاعة والجسارة والتهور والفعل الذي يجلب الفخر لشعب بأكمله.
كانا في المكان المقدر، يقول دهام اليامي – والد جاسر وعم ذيب -: «كانا خير عيالنا، ولم يبق على عودتهما سوى شهرين أو حولهما، كانا على وشك التخرج ووجه زواج، لكن الله عيا على أمره».
لن أجد في كل القواميس طريقة لإيصال تعبير والد جاسر: «لكن الله عيا على أمره»، لصديقي القارئ الذي لا يعرف العربية، ولم يقرأ يوماً عن تقدير العرب للشجاعة الحقيقية، تلك التي تحدث وتنتهي فجأة، ويبقى صداها في القارات البعيدة، بينما يتجلد الآباء والأمهات بالصبر الجميل. في لحظة النهر تلك، كان الشهيدان يسبحان عكس الموج لتعريف الإنسانية، التي سينالان وسامها من يد الملك سلمان.
ضحى الرجلان بمتعة البقاء على الشاطئ، لأن الشجاعة كانت في السباحة ضد التيار، لقد صُلي على الشابين بدمع القلب من كل الأديان… كل من شهد أو سمع حادثة نهر شيكوبي بولاية ماساتشوستس الأميركية.
سيبقى اسم «اليامي» في تلك القاعة الباردة بكندا جواباً لكل سائل عن تعريف الإنسانية والشجاعة عند السعوديين عموماً، ومفخرة لأهل نجران وعائلتي ذياب وجاسر خصوصاً، ومشهداً آخر يُضاف للأمثلة التي تعرّف بها كلمة صعبة التعريف – كشجاعة الثالثة فجراً – في حوار بين مبتعث سعودي، وسائل أميركي.
ثمة أفعال تبعث على فخر لا يموت… وهذه منها.

التعليقات
إقرأ أيضا

الاستثمار الذي لا يخسر!

أحسب أن كل من له أدنى معرفة بالاستثمار، سيعرض عن هذا المقال من عنوانه، فأول يقينيات الاستثمار وحقائقه أنه لا يوجد في الدنيا استثمار لا يخسر! لكن، دعوني أشرح لكم القصة. لم... 

مقالات
0 المشاهدات
التعليقات 0

من لم يعِش اللحظة!

«التعلم… ذلك الذي لا يتعب منه الدماغ!». أفكر دائماً في عبارة دافنشي السابقة، في أي مرحلة من مراحل إبداعه وجماله كتبها.. أقبل النضج الفني أم بعده؟! وإذا كانت غاية التعلم... 

مقالات
0 المشاهدات
التعليقات 0

خزنوا فرح الصيف لاكتئاب الشتاء!

«لا تنسَ المظلة وانتبه من اكتئاب الشتاء»، كانت أولى وصايا أهل أوريغون – شمال غربي الولايات المتحدة الأميركية – حتى قبل وصولي إليها، لأطمر جهل لغتي! كنت أضحك من... 

مقالات
0 المشاهدات
التعليقات 0